مجمع البحوث الاسلامية
470
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
رابعا : هناك بحث طويل لغة وتفسيرا في الفرق بين ( عبس ) و ( بسر ) ، فعن اللّيث : « إنّه إذا قطّب ما بين عينيه فقد عبس ، فإن أبدى أسنانه في عبوسه فقد كلح ، فإن اهتمّ وفكّر فيه فقد بسر ، فإن غضب مع ذلك فقد بسل » . فقد جعل « اهتمّ » و « فكّر » و « بسر » بمعنى واحد ، مع أنّ القرآن جعله معنى مستقلّا متأخّرا عن ( فكّر وقدّر ) وعن ( نظر ) وقرينا مع ( عبس ) ، وهذا ما يحكي قرب معنييهما ، كما سبق . ورتّبها الهمذانيّ بقوله : « هو العبوس والقطوب والكلوح والكثور والبسور والكسف » ، وشرحه بعضهم بقوله : قطّب وقبّض ما بين عينيه ، وقال بعض آخر : بأنّه كلح أو كرّه وجهه ، أو نظر بكراهة شديدة . وفسّره الرّاغب وغيره ب « أظهر العبوس قبل أوانه » . وبعضهم جمع بينهما ، قال البغويّ : « كلح وقطّب وجهه ، فنظر بكراهيّة شديدة كالمهتمّ المتفكّر في شيء » . وقال آخرون : بأنّه وقف لا يتقدّم ولا يتأخّر ، وقالوا أيضا : بأنّه اتباع ل ( عبس ) ؛ إذ قال المصطفويّ : « فالبسر حالة حاصلة بعد العبوس ، فإنّ العبوس يتعقّبه شدّة الكلوح ، ويتعجلّ في كشف الضّرّ والعبوس عنه » . وعندنا أنّ الفرق والتّرتيب بين هذه المعاني أمر عسير ، والّذي يعلم أنّ البسر هو شدّة العبوس الواقعة في غير محلّها ، ولبنت الشّاطئ والمصطفويّ بحث طويل في ذلك ، فلاحظ . خامسا : جاءت ( باسرة ) في الثّانية مقابلة ل ( ناضرة ) و ( ناظرة ) ، ومتّصفة ب ( فاقرة ) : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ . 1 - فسّروها ب « كاشرة » و « كالحة » و « عابسة » و « متغيّرة » و « كريهة مقطّبة » ، وقد جمعها البغويّ وتبعه آخرون ، فقال : « عابسة مغيّرة مسودّة » . والّذي نختاره فيها هو شدّة العبوس في الوجه ، وهو تجسيم حالتهم في الدّنيا أمام الحقّ ، لكنّها كانت في غير محلّها ، وستكون في الآخرة طبعا في محلّها . 2 - يقابلها ( ناضرة ) وهي شدّة الفرح والسّرور في وجه المؤمنين ، و ( ناظرة ) تحكي كمال نضرتها بالنّظر إلى ربّها ، أي إلى رحمة ربّها ، وعند الأشاعرة والمتصوّفة إلى وجه ربّها حقيقة بمعنيين : ظاهريّ ومعنويّ . 3 - أمّا وصفها ب ( فاقرة ) - وهي من الفقر - فيحكي نهاية ذلّها واضطرابها ، كما هو شأن الفقراء ، لاحظ « ف ق ر » .